affiliate marketing كتب وابحاث فى المحاسبة والمراجعة : الاستثمارات الأجنبية والشفافية في مصر في ظل الأزمة العالمية

دعم المدونة

الأحد، 24 فبراير، 2013

الاستثمارات الأجنبية والشفافية في مصر في ظل الأزمة العالمية


الاستثمارات  الأجنبية والشفافية  في مصر في
ظل الأزمة العالمية

         أصبح موضوع تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر ظاهرة تشغل بال المسئولين خلال السنوات الأخيرة بصفة خاصة وتكثر الإشادة بها في تصريحاتهم وبياناتهم بشكل متكرر و مكثف. وتوحي هذه المواقف  للكثيرين بأن حل مشاكل الاقتصاد المصري وتحقيق النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتم إلا من خلال سبيل أساسي هو اجتذاب رأس المال الأجنبي بشتى السبل ومنحه المزايا والتيسيرات والإعفاءات التي تشجعه على التدفق . ولتحقيق هذا الهدف اهتمت الحكومة بتهيئة المناخ العام والأطر التشريعية والتنظيمية وإعداد البنية الأساسية لاستقباله. وبعد أن كانت هناك مجالات محددة يمكن للاستثمار الأجنبي أن يعمل فيها[1] تم بالتدريج فتح كل المجالات والقطاعات تقريبا أمامه  ليعمل دون قيود مع استثنائه من الخضوع لكثير من التشريعات والقواعد[2]. هذا فضلا  عن السعي " لتسويق"  الاقتصاد المصري في كثير من المحافل والمنتديات الدولية ولدي كثير من المنظمات الدولية ومكاتب الخبرة  التي تروج لحرية الاستثمارات الأجنبية والشركات دولية النشاط.
        و أصبح من مظاهر الاحتفاء برأس المال الأجنبي أن يقوم كبار المسئولين بمن فيهم  رئيس الجمهورية ورئيس  الوزراء باستقبال رؤساء الشركات والبنوك دولية النشاط سواء في مصر أو عند قيامهم بزيارات للخارج ، وأن تتضمن الوفود الرسمية القادمة إلى مصر عددا من رجال الأعمال بجانب الرؤساء ورجال السياسة .كما أصبحت مصر تسعى لاستضافة اكبر عدد من المؤتمرات والندوات الاقتصادية والمالية الدولية والإقليمية التي تجمع بين كبار المسئولين الحكوميين من ناحية  ورجال الأعمال المصريين والأجانب من ناحية أخرى مثل المؤتمرات التي يعقدها منتدى التجارة العالمي ( منتدى دافوس ) ومؤتمرات مؤسسة يوروموني  ومؤسسة ميد والمؤتمر الدولي للتجارة والاستثمار ( ايجبت انفست ) وملتقى " مصر تفتح أبوابها للاستثمار, ومؤتمرات مجالس الأعمال وجمعيات الصداقة مع الدول الأخرى ومؤتمرات الغرف التجارية والصناعية المشتركة وغيرها . ولا شك أن هناك فرق بين استضافة المؤتمرات والندوات كنشاط سياحي يدر دخلا وبين رعاية الحكومة  والمؤسسات التابعة لها لهذه اللقاءات، وهي رعاية تتضمن الإنفاق ببذخ تتحمله الجهات الراعية  ويستفيد منه أساسا الجهة التي تنظمه. كما نشطت في ذات الاتجاه بعثات طرق الأبواب التي تنظمها غرفة التجارة الأمريكية لمسئولين ورجال أعمال من مصر للالتقاء بنظرائهم في الولايات المتحدة لتشجيع قدوم الاستثمارات الأمريكية الى مصر. كما يلاحظ في ذات الاتجاه المشاركة الواسعة لمسئولين مصريين  في المؤتمرات والندوات التي تعقد بالخارج لعرض الوضع الاقتصادي ومناخ الاستثمار في مصر على المستثمرين المحتملين وشركات الترويج وغيرها.
والى جانب ذلك يلاحظ الاهتمام المبالغ فيه بالتقارير الصادرة عن مؤسسات التقييم الدولية وشركات الاستثمار مثل موديز وستاندرد آند بورز وفيتش ومعهد التمويل الدولي وكذا مؤسسات البنك الدولي  والأمم المتحدة وغيرها من الجهات  التي تصدر بشكل دوري تقارير عن كثير من دول العالم ومناخ الاستثمار فيها وتوضح مدى ما تتمتع به كل دولة  من جدارة ائتمانية في الأجلين القصير والطويل ومدي استقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية ومدي انفتاحها على العالم الخارجي. ويلاحظ أن هذا الاهتمام من جانب المسئولين في مصر يقل بشده إذا أشارت هذه الجهات إلى تراجع ترتيب مصر أو إلى تراجع جدارتها الائتمانية، وحينئذ فقط يشير المسئولون المصريون إلى حقيقة أن قدرا كبيرا من هذه التقارير يتضمن تجميعا لانطباعات ولآراء أكثر منه حقائق ومعلومات.
في ظل هذا الاهتمام تتطلع الحكومة إلى جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر،  وتتطلع شركات دولية النشاط إلى ممارسة نشاطها في مصر ليس فقط باعتبارها سوقا واسعة ولكن باعتبارها مركزا إقليميا واستراتيجيا هاما. وقد شهدت السنوات السابقة تحقق كثير من أهداف الطرفين – خاصة مع اتساع نطاق الخصخصة واتساع المجالات التي يمكن لرأس المال الأجنبي العمل فيها.إلى أن جاءت الأزمة الاقتصادية الأمريكية التي جرت الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من الكساد لم يظهر منها إلا القليل، وأدى هذا القليل إلى توقعات سلبية بالنسبة لمؤشرات النمو والعمالة والتجارة الخارجية وحركة رءوس الأموال الدولية- الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة بحث موضوع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتعرف على اتجاهاته خلال السنوات الأخيرة سواء بشكل عام أو من حيث موقع مصر فيه، ثم إبراز دور الأزمة العالمية في ضرورة إعادة النظر في التوقعات السابقة ، مع إضافة بعد يتعلق بنوعية الاستثمارات الأجنبية التي يمكن أن تفد إلى مصر في هذه الظروف وكيفية إخضاعها لمعايير الشفافية والحوكمة والمسئولية الاجتماعية.
أولا:الاستثمار الأجنبي  في ضوء الأزمة الاقتصادية– الاتجاهات العالمية
      إذا كان اجتذاب رأس المال الأجنبي قرار قد تم اتخاذه ، فمن المهم التعرف على اتجاهات رأس المال الأجنبي خلال السنوات السابقة من حيث حجمه ومدى انتظام تدفقه، ومن حيث توجهاته الجغرافية والمناطق التي يفضل التوجه إليها، و القطاعات الاقتصادية التي يفضلها، ليمكن بالتالي التعرف على أهم الآثار المتوقعة على تدفقه في ظل الأزمة الحالية ، ومدى انعكاسات هذه الأزمة على التوجهات الأساسية لرأس المال الأجنبي وعلى ما ينبغي أن يتسم به من شفافية وتنافسية في الدول المضيفة.
        وبشير التقرير الأخير[3] الصادر عن  مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( الأونكتاد) عن الاستثمار العالمي لعام 2008 إلى عدد من النقاط الهامة :
1 - ارتفاع  إجمالي  تدفقات رأس المال الأجنبي في العالم إلى مستوى غير مسبوق بلغ 1833 مليار دولار أمريكي في 2007 بزيادة نسبتها 30 % عن العام السابق، وان كان معدل الزيادة يقل عن نظيره المسجل في 2006 والذي بلغ 47 %. وطبقا للتقرير فان الأزمات المالية والائتمانية التي بدأت في أواخر 2007 لم  يكن لها آثار ذات مغزى على حجم تدفقات رأس المال الأجنبي خلال العام، ولكنها أضافت المزيد من عوامل عدم التيقن  والمخاطر إلى الاقتصاد العالمي. كما يشير التقرير إلى أن تلك الأزمات المالية والائتمانية قد تؤدي إلى آثار سلبية على حجم الاستثمارات الأجنبية في 2008 – 2009، إلا انه لا يمكن التنبؤ بأية درجة من درجات الدقة عن حجم هذه التدفقات المستقبلية نظرا  لما يميز هذه التدفقات من تقلب دائم .
2 – تركز الجزء الأكبر من الاستمارات الأجنبية في عمليات الاندماج والاستحواذ عبر الحدود، وهي الظاهرة التي بدأت في التعاظم منذ تسعينات القرن الماضي بصفة خاصة. وقد بلغ إجمالي التدفقات الموجهة لهذا الغرض نحو 1627 مليار دولار أمريكي ، بزيادة نسبتها 21 % عن الرقم المناظر في عام 2000 وهو العام الذي شهد أعلى مستوى لتدفقات رءوس الأموال الأجنبية لغرض الاستحواذ والاندماج. وفي المقابل تراجع عدد المشروعات الجديدة التي نفذتها الشركات دولية النشاط في كل دول العالم  من  مشروعا في 2006 الى 11703 مشروعا في 2007 .
3 – كما تركز القدر الأكبر من تدفقات رءوس الأموال الأجنبية في الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها، حيث خضها نحو 1248 مليار دولار من هذه التدفقات خلال عام 2007 بزيادة كبيرة نسبتها 33 % عن العام السابق.وبما يزيد عن مثل الرقم المناظر في 2005 . وبذلك اختصت هذه الدول بأكثر من 68 %  من أجمالي تدفقات رأس المال الأجنبي في 2007 مقابل ما نسبته 64 % في 2005 و67 % في 2006 . ويعكس هذا التركز اقتران ما سلفت الإشارة إليه من غلبة التدفقات المخصصة لعمليات الاستحواذ والاندماج بين الشركات والبنوك دولية النشاط، وهي عمليات يتم جانبها الأكبر فيما بين الدول الرأسمالية المتقدمة.
4 – ويظهر التوزيع الجغرافي لتدفقات رءوس الأموال الأجنبية خلال 2007 أن هناك زيادة في الأرقام المطلقة للتدفقات إلى كافة المجموعات الدولية، إلا أن التدفقات تزيد بمعدلات اكبر بالنسبة لكل من الدول الرأسمالية المتقدمة والدول الاشتراكية السابقة في أوروبا. أما الدول النامية ،فرغم زيادة التدفقات اليها بنحو 21 % عن العام السابق فان  نصيبها النسبي من  هذه التدفقات استمر في الانخفاض من 33 % في 2005 إلى 3 ر29 % في 2006 ليستقر عند 3 ر27 % في 2007 . ولا شك أن هذه النتائج تعكس الأولويات التي تضعها الشركات دوليه النشاط لاستثماراتها، ومدى توزعها الجغرافي والقطاعي في الأسواق المختلفة بما يحقق لها اكبر عائد ويضمن سلامتها في ذات الوقت.
5 -    يعكس حجم الزيادة الكبيرة في تدفقات رأس المال الأجنبي في 2007 الأداء الاقتصادي القوي واستمرار النمو الاقتصادي بمعدلات مرتفعة في مختلف مناطق العالم . الا انه بجانب ذلك تميز عام 2007 بارتفاع كبير في أرباح الفروع التابعة للشركات دولية النشاط خارج حدود دولها الأم. وقد بلغت قيمة هذه الأرباح نحو 1100 مليار دولار أمريكي ساهمت في تغلب الشركات الأم على مشكلة النقص النسبي في التمويل الناتجة عن الأزمة المالية والأئتمانية الأمريكية ، حيث أعيد استثمار جانب كبير منها قدر بنحو 30 % من إجمالي تدفقات رأس المال الأجنبي خلال العام. ويشير التقرير في هذا الصدد إلى أن معدل الربح في الشركات دولية النشاط خلال العام ارتفع إلى أكثر من 7 % ( صافي الربح إلى المبيعات )، وان الجزء الأكبر من هذا الربح قد تحقق في الدول النامية.


                                        جدول رقم ( 1 )
تدفقات رأس المال الأجنبي إلى مجموعات الدول

2005
2006
2007
مليار دولار
% من الاجمالى
مليار دولار
% من الاجمالى
مليار دولار
% من الاجمالى
الإجمالي العالمي
959
100
1411
100
1833
100
1 – الدول الرأسمالية المتقدمة
611
63.8
941
66.7
1248
68.1
2 الدول النامية:
316
33.0
413
29.3
500
27.3

منها: إفريقيا
29
3.1 
46
3.2
53
2.9
     أمريكا اللاتينية
76
8.0
93
6.6
126
6.9
     غرب آسيا
43
4.4
64
4.5
71
3.9
     جنوب وشرق آ آسيا
168
17.5
210
14.9
249
13.6
3 – الدول المتحولة    
31
3.2
57
4.1
86
4.7
المصدر:
UNCTAD,WORLD INVESTMENT REPORT 2008,P.3

6 – كما يظهر التوزيع القطاعي للاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2007 دلالات على درجة عالية من الأهمية. فقد استمرت الاستثمارات الأجنبية الموجهة لقطاعات النشاط الأولي – وعلى الأخص الصناعات الاستخراجية -  في الزيادة على النحو الذي شهدته السنوات السابقة، بحيث أصبح نصيبه من هذه الاستثمارات يناظر ما كان عليه في الثمانينات من القرن الماضي. وقد ارتفعت تدفقات الاستثمارات الأجنبية الموجهة لهذا القطاع لتبلغ 13% من إجمالي الاستثمارات في الأعوام 2004 - 2006، كما أن نصيبه من رصيد الاستثمارات الأجنبية يبلغ 8 %. وفي حين أن رصيد الاستثمارات الأجنبية في  قطاع الصناعة التحويلية  يمثل نحو ثلث أجمالي الاستثمارات الأجنبية في العالم ، فقد لوحظ انه حصل فقط على ربع التدفقات الجديدة حلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. وبالتالي كان قطاع الخدمات هو المستفيد الأساسي، وهو القطاع الذي يضم الاتصالات والطرق والنقل والكهرباء والمياه والبنوك والتأمين والصحة والتعليم..... وهي القطاعات التي يتطلع رأس المال الأجنبي للدخول إليها خلال السنوات المقبلة خاصة من خلال عمليات الخصخصة التي تتم للمرافق ومشروعات البنية الأساسية سواء في الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها أو دول العالم الثالث.

ثانيا:الحكومة المصرية وموقفها من الاستثمار الأجنبي

     لا شك أن الحكومة المصرية لديها نظرة  شديدة الايجابية ومليئة بالتفاؤل والثقة تجاه الاستثمار الأجنبي وأهمية اجتذابه إلى مصر لسد الفجوة بين الادخار القومي والاستثمارات اللازم القيام بها لتحقيق النمو الاقتصادي ، ولسد  الفجوة الناتجة عن انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي المباشر وقصر دورها على الرقابة والتنظيم وتهيئة المناخ اللازم لزيادة الاستثمار الخاص المحلى والأجنبي على السواء . وليس هناك وثيقة واحدة شاملة يمكن التعرف منها على موقف الحكومة بالتفصيل من هذا النوع من الاستثمار – الأمر الذي يتعين معه البحث عما يرد بخصوص الاستثمار الأجنبي المباشر في عدة مصادر تعكس في مجملها وجهة نظر الحكومة المصرية. 

   ( 1)  الاستثمار الأجنبي في خطط التنمية
1 - وضعت وثيقة  الخطة الخمسية الثانية للتنمية الاقتصادية ولاجتماعية 2002  - 2007 رؤية لمستقبل التنمية في مصر حتى عام 2022 وحددت لها مجموعة من الأهداف تضمنت النص على[4] أن مصر قد تبنت إستراتيجية تنمية تقوم على تشجيع القطاع الخاص وزيادة إسهامه في النشاط الاقتصاد على أن تقوم الدولة بالتوجيه والتنشيط عن طريق السياسات الاقتصادية والاجتماعية الملائمة بجانب دورها الرقابي . أما دور الدولة المباشر في النشاط الاقتصادي فيركز على ما لا يستطيع القطاع الخاص الاضطلاع به مع ضروريته وحيويته من أجل التنمية.
2 - ورغم أن هذه الرؤية تضمنت استهداف تحقيق معدل نمو سنوي يتراوح بين 6% و8% [5] فإنها أشارت إلى ضعف الادخار المحلى وضرورة زيادته من 13 % إلى 25% ولكنها  لم تتعرض لوسائل تحقيق ذلك ولا للاستثمارات المطلوبة لتحقيق  النمو المستهدف  وتوزيعها بين الدولة والقطاع الخاص بشقية المحلى والأجنبي واكتفت  بالإشارة  في بند مستقل بين الأهداف إلى[6] أن الاستثمارات الأجنبية  المباشرة تؤدي إلى الإسهام في رفع مستوى الاستثمار القومي وزيادة فرص العمل وأنها تجلب تكنولوجيا جديدة في الإنتاج وتعمل على حفز مستوى الصادرات عن طريق الإفادة من البنية الأساسية التصديرية المتاحة للشركات متعددة الجنسيات. وتمثل الهدف هنا في ضرورة تحسين مناخ الاستثمار وتقديم الحوافز وتنفيذ السياسات التي تشجع على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لقطاع الصناعات التحويلية بصفة خاصة، بدلا من تركزها في مجالات البحث عن البترول.
3 - وعند استعراض الإستراتيجية والأهداف العامة للخطة الخمسية ذاتها  تعاملت  وثيقة الخطة على استحياء شديد مع موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر. فرغم تطلعها إلي[7] اجتذاب هذا النوع من الاستثمار ، إلا أنها أشارت إلى حقيقة أن الدول الصناعية تستحوذ على ثلاثة أرباع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وان غالبية الربع الأخير يذهب إلى الصين ودول جنوب شرق اسيا، على حين أن نصيب المنطقة العربية قليل جدا خاصة بسبب " النزاع القائم في المنطقة" وهو النزاع الذي لا تتوقع وثيقة الخطة تسويته بصورة نهائية في المستقبل القريب. وبنت على ذلك النص على أنها تتوقع أن يستمر انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ترد إلى المنطقة على الأقل خلال سنوات الخطة[8]. ولم تتضمن إستراتيجية الخطة الخمسية ولا أهدافها آية إشارة إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة  ولا إلى حجمها المتوقع ولا القطاعات التي يمكن أن تتجه إليها ولا إلى الأساليب التي ستتبع من اجل اجتذاب هذه الاستثمارات ، مكتفية فيما يبدو بتوقع عدم قدوم المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر في إطار الاتجاه العام لعدم توقع زيادتها في المنطقة ككل كما سلفت الإشارة، وبالحديث بصفة عامة عن الاستخدامات الاستثمارية للخطة التي تتضمن قيام قطاع الأعمال الخاص بنحو 60% من استثمارات الخطة دون ما تفرقة بين الخاص المحلى و الأجنبي.
4 - وعند مناقشة تفاصيل الخطة الخمسية أشارت وثيقة الخطة[9] إلى ضرورة رفع معدل الاستثمار من نحو 9 ر16% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2001 /2002 إلى 8ر19 % في 2006 /2007 كي يمكن تحقيق معدل نمو يبلغ 2 ر6% سنويا في المتوسط. وتوقعت أن يصل إجمالي استثمارات الخطة إلى 445 مليار جنيه مصري يساهم قطاع الأعمال العام والخاص والتعاوني بنحو 5ر59 % منها مع عدم تفصيل تصيب أي من القطاعات الفرعية في هذه المجموعة التي تشمل الاستثمار الأجنبي المباشر، رغم ورود جداول تفصيلية عن توزيع الاستثمارات المتوقعة على القطاعات وعلى المناطق الجغرافية .
5 – وخلال مناقشة التفاصيل السابقة أوردت الخطة[10] ما أسمته أهم ركائز الاستثمار وهي نقاط تعكس تحديدا غير كامل للمطلوب من القطاع الخاص الذي يشمل بالضرورة الاستثمارات الأجنبية المباشرة . وقد وتمثل أهم هذه الركائز – فيما يتعلق بموضوعنا - فيما يلي:
أ – تأكيد الدور المحوري لاستثمارات القطاع  الخاص في الإنتاج السلعي والخدمي، الأمر الذي يتطلب توفير أنظمة متطورة لحوافز الاستثمار والاستمرار في تطوير مناخ اقتصادي قائم على استقرار السياسات الاقتصادية وكفاءة المؤسسات والتشريعات.
ب – فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في البنية الأساسية.
ج – السير قدما في تنفيذ برنامج الخصخصة
د – التركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة ونشرها بالمحافظات
ه  – الاستثمار في خطوط إنتاج سلعي وخدمي موجهة للتصدير وأخري لإشباع حاجة السوق المحلية حتى لا يتحول الإنتاج المخصص للتصدير إلي السوق المحلية.
6 - وأخيرا عرضت وثيقة الخطة الخمسية للسياسات الاقتصادية الكلية التي تعتبر الأداة الرئيسية لتنفيذ الخطة بما تحتويه من اتجاهات وحوافز ايجابية وسلبية ترمي إلي  تخصيص الموارد في الاتجاه الذي يحقق الأهداف المرسومة. وتضمنت هذه السياسات فيما يمكن أن يمس الاستثمار الأجنبي ما يلي [11]:
أ – تعديل أسعار وشرائح الضريبة وتخفيض الحد الأعلى لأسعرها..
ب – مراجعة الإعفاءات الضريبية لكي تؤدي دورها الحقيقي في جذب الاستثمارات وتشغيل العمالة .
ج – تطوير التشريعات والمؤسسات الضريبية مع سد منافذ التهرب الضريبي وتيسير تعامل الممولين مع أجهزة الضرائب
د – تمييز المصدرين الذين يحققون الأهداف التصديرية ويلتزمون بالقواعد الجمركية  بالتيسير في الإفراج عن رسائلهم وتبسيط إجراءات السماح المؤقت. 
ه – إعادة تنظيم سوق التامين بوضع ضوابط استثمار الأموال ومزاولة الشركات الأجنبية لأنشطتها وتنشيط عمليات إعادة التامين وتدعيم وتقوية عمليات الرقابة على التامين.
و – رفع القدرة التنافسية لشركات التأمين المصرية محليا وخارجيا عن طريق تقييم الشركات وفقا للمعايير الدولية وإعادة هيكلتها وتطوير إدارتها.
ز – تنشيط سوق السندات الحكومية والخاصة وتعزيز دور المستثمر المؤسسي وقيام شركات متخصصة في إدارة محافظ الأوراق المالية وصناديق الاستثمار
ح – استكمال برنامج الخصخصة بمزيد من الاعتماد على بورصة الأوراق المالية.
ط – تطوير التشريعات الاقتصادية والقواعد الحاكمة لسوق المال
ي – المحافظة على درجة مناسبة من الاستقرار النقدي بتحديد معدل التوسع النقدي الذي يحقق المواءمة بين هدفي النمو وتحجيم التضخم.                             
ك – تعميق الاعتماد على الأدوات النقدية غير المباشرة عن طريق توريق الدين العام
ل – المحافظة على التوازن في سوق الصرف الأجنبي من خلال تحسين مركز ميزان المدفوعات
م – الترويج للاستثمار بشقيه المحلي والأجنبي المباشر عن طريق توفير دراسات جدوى للفرص والمشروعات الاستثمارية المحتملة
ن – تطوير أداء الأجهزة التي تدير أنشطة الاستثمار المباشر وتوفير المرونة في الحوافز الممنوحة وتوفير نظم متطورة للخدمات والمعلومات وتبسيط إجراءات التأسيس.
ت –مراجعة التشريعات المؤثرة على الاستثمار وإعادة النظر الدائم في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار وتوحيد جهات التعامل مع المستثمرين من خلال جهة واحدة.
ث – تعزيز دمج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي ، وذلك من خلال تعميق تعامله مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية والعالمية ، وحسن استثمار اتفاقات التعاون المعقودة مع الدول والتكتلات الاقتصادية .
7 – ودرجت خطط التنمية السنوية بدورها على تجاهل أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر سواء المستهدفة منها أو المحققة، أو القطاعات المطلوب جذبه إليها إلى أن جاءت أول إشارة في وثيقة الخطة لعام 2006 /2007 حيث أشارت[12] إلى أن  المحقق من هذه الاستثمارات خلال النصف الأول من عام 2005 /2006 بلغ 3ر3 مليار دولار مقابل 8 ر1 مليارا خلال الفترة المقابلة من عام 2004/ 2005 .إلا أن الوثيقة خلت من الإشارة إلى الأرقام المستهدفة للاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام المالي الذي تغطيه.
8 _ الخطة الخمسية السادسة للتنمية الاقتصادية (2007/08 -2011 -12 )
لأول مرة تضمنت الخطة تحديد هدف رقمي للاستثمار الأجنبي المستهدف اجتذابه إلى مصر، حيث أشارت[13] في إطار استعراضها للأهداف العامة للخطة إلي هدف محدد بالنسبة للاستثمار الأجنبي يتمثل في زيادته من 7 مليار دولار في السنة الأولى للخطة إلى 14 مليارا في سنتها الأخيرة. وقد وضعت الخطة هدفا آخر لعل له علاقة بالهدف الأول وهو زيادة [14]معدل الاندماج في الاقتصاد العالمي من 60 % إلى 67 %.
وقد استهدفت خطة العام الأول 2007 /2008 الوصول برقم الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 11,5 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم لا يرد إبان الحديث عن الاستثمارات وإنما  بمناسبة تقديم بيانات ميزان المدفوعات المتوقع لذلك العام. أما استعراض الاستثمارات وتوزيعاتها المختلفة فقد تضمن فقط أن المدخرات الأجنبية سوف تساهم بنحو 10 % من جملة الاستثمارات.وبالتالي فان الخطة لا تقدم تفصيلا لتوزيع الاستثمار الأجنبي المتوقع على أية مستوى بما في ذلك القطاعات المتوقع أن يتجه إليها أو المستهدف جذبه للاستثمار فيها وكذا بالنسبة للوسائل التي ستتخذ لجذب هذه الاستثمارات، باستثناء ما ورد حين مناقشة سياسات تحسين وتهيئة مناخ الاستثمار والتي تضمنت : القيام بمزيد من الحملات الترويجية في الخارج للتعريف بفرص الاستثمار، وتبسيط إجراءات فتح فروع للشركات الأجنبية، فضلا عن استكمال برنامج الخصخصة وبيع مساهمات المال العام في الشركات والبنوك المشتركة[15]

(2)  الاستثمار الأجنبي في بيان الحكومة[16]
في البيان الأخير للحكومة الذي ألقاه الدكتور احمد نظيف رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس الشعب، وبعد جمل قصيرة في مقدمة البيان عرض رئيس الوزراء مباشرة " للمؤشرات الكلية للانجازات التي تمت خلال العام الماضي" . وكان المؤشر الأول هو معدل النمو الاقتصادي وهو مؤشر له دلالته ولا شك باعتباره يقيس في النهاية محصلة الأداء الاقتصادي خلال عام. أما المؤشر الثاني مباشرة فكان الاستثمارات الأجنبية المباشرة ، حيث وضح البيان أنها ارتفعت من 1ر6 مليار دولار في 2005/2006 إلى 1ر11 مليارا قي 2006/2007 . وهنا لم يكن البيان يبرز إجمالي الاستثمارات التي ساهمت في تحقيق النمو الذي سبق وأشار إليه ولكنه قام بالتركيز على المؤشر الذي يلفت انتباهه أي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تدفقت إلى مصر خلال العام.
ثم أشار البيان إلى 3 تحديات اعتبرها أولويات الشارع المصري وهي : البطالة والتشغيل وارتباطه بالاستثمار – الأسعار والدعم – الخدمات التي يطلبها المواطن . وبالنسبة للتحدي الأول قال البيان ما نصه " الحل الوحيد هو زيادة الاستثمارات لأنها هي التي تخلق فرص العمل.....تبدو سهلة ولكننا نتنافس مع العالم كله. حققنا أول خطوة بنجاح والذي يرى أننا نركز على الاستثمار الأجنبي فقط فهو مخطئ ، انه لا خطورة في ذلك البتة فالمستثمر الأجنبي هو الذي يفد إلى أرضنا ويخضع لقوانيننا وتشريعاتنا " ثم أشار إلى أن نصبب الاستثمارات الأجنبية لم يتجاوز 8 % من إجمالي الاستثمارات خلال السنوات الثلاث الأخيرة مقابل 12 % للاستثمارات العربية و70 % لاستثمارات المصريين ( ؟ ). ورغم أن البيان قام بتخطئة من يرى أن الحكومة تركز فقط على الاستثمار الأجنبي، فقد تضمن هو ذاته هذا  التركيز خاصة حين أشار فقط إلى ارتفاع  نسبة استثمار المصريين  من جملة الاستثمارات المحلية ،   وأضاف أنه لا خطورة في ذلك ( أي في الاستثمار الأجنبي) دون أن يوضح من الذي قال بالخطورة وما هي أشكالها المدعاه ولماذا لا يراها البيان خطورة حقيقية. وقد يعني هذا إن قناعة الحكومة بالاستثمار الأجنبي لا تحتاج إلى تبرير أو تفسير، وهو ما يتمشى مع رؤيتها الواسعة للقطاعات التي يمكن أن يتم فتحها أمام الاستثمار الأجنبي.

( 3 ) الاستثمار الأجنبي في رؤية هيئة الاستثمار
شهدت هيئة الاستثمار تطورات كبيرة في مهاما منذ إنشائها وبعد أن كانت تقتصر وظيفتها في البداية على الموافقة على المشروعات الخاضعة لقانون الاستثمار أدمجت فيها مصلحة الشركات التي كانت تمنح الموافقات للشركات المنشأة وفقا للقوانين الأخرى. وحتى 2004 كانت هيئة الاستثمار[17]  تمارس 6 صلاحيات هي:
- الرقابة على تطبيق قوانين الاستثمار المتعاقبة
- الرقابة على تسجيل الشركات
- الرقابة على المناطق الصناعية
- الرقابة على المناطق الحرة
- الرقابة على نشاط التأجير التمويلي
- الترويج للاستثمار
ومع تطور النظرة إلي الهيئة ووظائفها في ضوء الخبرات العملية وخبرات الدول الأخرى والرغبة في اجتذاب مزيد من رءوس الأموال الأجنبية، أعلن أن الهيئة ستقوم بالتركيز على الترويج والتيسير خاصة وان تعدد جهات الرقابة على ذات الأمور ليس ضروريا كما انه يؤدي إلى التدخل في الشئون التجارية للمستثمرين مما يزيد من شعورهم بعدم اليقين في المعاملات ويسيء إلى المناخ الاستثماري في مصر. وانطلاقا من ذلك تحددت 8 محاور تمثل التصور الجديد لدور هيئة الاستثمار :
-       تنفيذ برنامج طموح لتبسيط الإجراءات .
-   ربط برنامج التبسيط بجهد منظم ومستمر للتوعية بما يتم ، لان معرفة المستثمر بالإجراءات معرفة يقينية من أهم ما يبعث الأمان لديه
-   إعادة النظر في كيفية إدارة وتشجيع المناطق الصناعية لتحويلها إلى مناطق للصناعات المتكاملة يغذي بعضها بعضا
-       العمل على تبني الجهات الحكومية المختلفة لسياسات مشجعة للاستثمار
-       تطوير وتحديث نظام التأجير التمويلي
-       زيادة استغلال المناطق الحرة العامة والخاصة وتحفيزها على التنافس فيما بينها
 – تطبيق سياسة ترويج الاستثمار وفقا للأساليب والمعايير العالمية
-       إعادة هيكلة الهيئة بما يمكنها من تحقيق هذه الأهداف

        وبالنسبة لجذب الاستثمار الأجنبي بصفة خاصة أشار رئيس هيئة الاستثمار إلى أن أهم الأساليب التي ستتبع تتمثل في عقد مؤتمرات داخل وخارج مصر دون انتظار نتائج فورية أو سريعة.والواقع أن هذا هو ما حدث بالفعل فقد عقدت عشرات المؤتمرات بالخارج والداخل للترويج للاستثمارات المطروحة على مستثمرين أجانب، وأصبح  نشاط الترويج هو جوهر عمل الهيئة تقريبا إلى جانب تبسيط الإجراءات  والذي تم في إطاره اتخاذ كثير من الإجراءات مثل إنشاء مجمع خدمات الاستثمار ليضم في مكان واحد 27 جهة حكومية يلزم الحصول على موافاة كثير منها حسب طبيعة المشروع.كما تم اختصار المدة الزمنية لتأسيس الشركات لتكون 72 ساعة فقط، وتخفيض رسوم تسجيل العقارات ورسوم تقييم الحصص العينية.

ثالثا الحكومة و الاستثمارات الأجنبية المستهدفة
1 – حجم الاستثمارات الأجنبية المستهدف
        من الواضح أن الحكومة ليس لديها هدف محدد بالنسبة لحجم رءوس الأموال الأجنبية التي تتطلع لاجتذابها للعمل في مصر. فكما سلفت الإشارة تخلو خطة التنمية من أية أرقام في هذا الشأن( باستثناء الخطة الخمسية السادسة كما سلفت الإشارة) ، ولكن تصريحات المسئولين في المنتديات الدولية أو للصحفيين أو أمام مجلس الشعب  تكشف عن توقعاتهم لهذا التدفق في ضوء ما يتم تدفقه بالفعل . وكلما زاد رقم الاستثمار الأجنبي المحقق خلال فترة ما تطلع المسئولون إلى تحقيق رقم اكبر خلال بقية شهور السنة بحيث ينتهي العام المالي بتجاوز كبير للأرقام التي سبق وأعلنت كهدف. ففي لقائه مع اتحاد البنوك وجمعية الصداقة المصرية الأمريكية في واشنطن في أبريل 2006  صرح وزير المالية[18] بأن طاقة الاقتصاد المصري تتسع لجذب استثمارات أجنبية مباشرة تزيد عن 6 مليار دولار أمريكيي. وصرح وزير الاستثمار[19] أن حجم الاستثمار الأجنبي المباشر سيصل إلى ما يتراوح بين 5ر5 مليار و7ر5 مليار دولار. وبعد أيام صرح رئيس الوزراء خلال اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ[20] بأن مصر تستهدف زيادة حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 6 مليار دولار في 2006 /2007 مقارنة بنحو 5 ر3 مليارا في خطة 2005 /2006 .وفي بيان الحكومة أمام مجلس الشعب في 19 ديسمبر 2006 أشار رئيس الوزراء إلى أن ارتفاع رقم الاستثمارات الأجنبية خلال الربع الأول من العام المالي 2006 /2007 إلى 2ر3 مليار دولار يبشر بوصول رقم هذه الاستثمارات خلال السنة ككل إلى 8 مليار دولار.
 ويعني كل هذا أن الحكومة ترغب في اجتذاب اكبر رقم يمكنها جذبه من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وهو ما يعني أنها لا تملك خطة حقيقية بالمشروعات التي تستهدف إقامتها عن طريق هذا النوع من الاستثمارات ، و يتشابه هذا السلوك مع سلوك الحكومة المصرية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي  حين كانت تقبل كل ما يعرض عليها من قروض خارجية دون أن تكون هذه القروض  مرتبطة سلفا بأهداف ومشروعات محددة ودون أن تكون هناك حاجة فعلية إلى الكثير منها.يضاف إلى ذلك أن هذه التصريحات التي سلفت الإشارة إليها ترد على لسان أكثر من مسئول وأن لكل مسئول تقديراته الخاصة بخصوصها – الأمر الذي يعكس أن الاهتمام بهذه الاستثمارات ليس مسئولية وزارة واحدة ( أو هيئة الاستثمار التي تختص قانونيا وتنظيميا بذلك ) ولكنه مجال مفتوح قد يعكس فهما معينا للمسئولية الجماعية للحكومة، ولكنه بالتأكيد يتنافى مع أبسط قواعد الحوكمة ونقصد بذلك تحديد المسئوليات والسلطات، لكي تسهل المساءلة فيما بعد.
2 - مجالات الاستثمار الأجنبي المستهدفة
وكما تغيب الأرقام المستهدفة للاستثمار الأجنبي تغيب تسمية المجالات التي تستهدف الحكومة أن تطرحها لهذا النوع من الاستثمار وتبدو معظم المشروعات التي يعلن عنها كجزر منعزلة لا يمكن أن تساهم في تحقيق تنمية حقيقية أو نمو متواصل. وقد حدد رئيس الوزراء أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ 5 قطاعات واعدة لجذب الاستثمارات الأجنبية[21] هي بالترتيب السياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنقل وبرنامج الخصخصة والصناعة. كما تعرض وزارة الاستثمار على شبكة المعلومات الدولية قوائم بالمشروعات المطلوب إقامتها في كل المجالات وفي جميع المحافظات، ويبدو أنها أعدت دراسات جدوى مبدئية لهذه المشروعات تمهيدا لطرحها على المستثمرين، ولكن من غير الواضح الأسس التي تم على أساسها اختيار هذه المشروعات خاصة أنها تتضمن إقامة مصانع لبعض المنتجات التي تشير بيانات الموازين السلعية الى تشبع السوق المحلي منها والتي تعتبر من اكثر الصناعات الملوثة للبيئة، مثل  السيراميك  . وتتضمن القائمة إقامة 70  مشروعا مثل[22]:
 * مشروعات الصرف الصحي وتحلية مياه الشرب
*مشروعات للتخلص من النفايات الطبية والصلبة
*مشروعات لمعالجة الغازات الناتجة من الصناعة
*إنشاء محطات نموذجية لفحص عادم السيارات
*مشروعات لاستخدام قش الأرز
*مشروعات لإنتاج الزيوت واللبن المجفف وصلصلة الطماطم والكاتشب
*مشروعات لإنشاء ملاعب رياضية
*مشروعات لإنتاج السيراميك والرخام والأخشاب
*مشروعات لإنتاج الحديد الاسفنجي ومربعات الصلب
*مشروعات لإنتاج الورق والزجاج
*مشروعات لإنتاج محركات كهربائية وأجهزة التكييف
*مشروعات في مجال البتروكيماويات
وفي ظل عدم التفرقة بين المحلي والأجنبي، فان هذه المشروعات مطروحة لكل المستثمرين بما في ذلك الاستثمار الأجنبي. ولا شك أن بعض هذه المشروعات يستهدف بالفعل تغطية حاجات محلية بما في ذلك القضاء على بعض انواع التلوث  ، إلا أن اختيارها لا يعكس أية نظرة شاملة لإنتاج سلع وخدمات تلبي احتياجات السوق وتحل محل الواردات أو تساهم في تحقيق أي قدر من تكامل الهيكل الاقتصادي وخاصة الهيكل الصناعي.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى تقرير قديم للجنة الأمم المتحدة لأمريكا اللاتينية والكاريبي في عام 2001  أشارت فيه إلى أهمية أن تكون السياسات المتعلقة باجتذاب رءوس الأموال الأجنبية ذات صفة شمولية بحيث تحدد أولويات التنمية والدور الذي يتوقع أن تلعبه الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن الأدوات والآليات التي ستوجه الاستثمارات طبقا لأولويات التنمية[23].
3 -التدفق الفعلي للاستثمارات الأجنبية إلى مصر
        ارتفعت قيمة تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى مصر بشكل ملموس خلال السنوات السابقة لتصل إلى 13.2 مليار دولار خلال العام المالي 2007/2008 بنسبة 8,5 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نفس النسبة التي سجلتها في العام السابق. وقد توجه نحو  48.5 %  من هذه التدفقات إلى تأسيس شركات جديدة أو زيادة رءوس أموال شركات قائمة[24]. أما نصيب البترول في هذه الاستثمارات فقد تراجع رغم زيادة قيمته في 2007 /2008 إلى 4,1 مليار دولار أمريكي. وقد بدأت حصيلة طرح شركات وأصول مصرية للأجانب في الزيادة خلال العامين الأخيرين، وان كانت الأرقام لا توضح توزيعها بين ما تم في إطار عمليات الخصخصة وما تم خارجها.
        ويلاحظ أن بيانات الاستثمار الأجنبي في مصر يتم إعلانها كأرقام إجمالية لا يتضح منها نصيب القطاعات الاقتصادية ولا الفروع – الأمر الذي يحول دون إمكانية دراستها وتحليلها للتعرف بدقة على القطاعات الجاذبة للاستثمار الأجنبي ومدى التغيرات التي تطرأ على أدائها عبر الزمن، خاصة من النواحي التكنولوجية والتسويقية التي تعتبر عادة أهم الأهداف من اجتذاب هذه الاستثمارات..
                                        جدول رقم ( 2 )
صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى مصر
                                                مليار دولار أمريكي
البيان
2004 /05
2005 /06
2006 /07
2007 /08
صافي التدفقات لقطاع البترول
2540
1832
3015
4100
تأسيس شركات جديدة وزيادة رءوس أموال
926
3348
5200
6400
حصيلة طرح أصول عامة وخاصة لغير المقيمين
420
906
2800
2300
استثمارات عقارية
17
26
39
400
الإجمالي
3902
6111
11053
13200
المصدر وزارة الاستثمار، تقرير أداء وزارة الاستثمار للعام المالي 2007 /2008، القاهرة 2008، ص 27.
        إلا أن تقرير الانكتاد [25] يشير إلى أن القطاعات الرئيسية التي توجهت إليها الاستثمارات الأجنبية في مصر هي: صناعة النسيج، والبترول والكيماويات، والمستحضرات الطبية. ويؤكد التقرير أن مصر قد جاءت الثانية بين أكبر 10 دول افريقية جاذبة لرأس المال الأجنبي المباشر في كل من عامي 2006 و2007 ، حيث لم يسبقها سوى نيجريا . ويلاحظ في هذا الصدد أن التدفقات إلى   نيجريا في 2007 تقل عن نظيرتها في العام السابق ، بعكس مصر التي ارتفعت التدفقات إليها بحوالي 15 % كما سلفت الإشارة. ويفسر التقرير ارتفاع تدفقات رأس المال الأجنبي إلى بعض الدول الأفريقية ( ومنها مصر ) خلال السنوات الأخيرة بأن هذه الدول تشترك معا في :
·        حيازتها لاحتياطيات كبيرة من الموارد الطبيعية.
·        إتباعها لبرامج نشطه للخصخصة
·        إتباعها لسياسات تحريرية لاجتذاب رأس المال الأجنبي
·        ما تتميز به من نشاط كبير للترويج للاستثمار الأجنبي.

رابعا:الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها المحتملة
1 - تشير تقارير المنظمات الاقتصادية الدولية الصادرة حديثا  إلى أن الاقتصاد العالمي قد دخل بالفعل مرحلة الأزمة الاقتصادية، وأن بوادر هذه الأزمة كانت واضحة من الأداء الاقتصادي خلال السنوات السابقة وعلى الأخص منذ 2006 . ومن المتوقع طبقا للبنك الدولي[26] أن يقتصر معدل نمو الاقتصاد العالمي في 2009 على 0,9 % فقط مقابل 3,7% في 2007  و 2,5 % في 2008. ويتوقع البنك أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنحو 0,5 % في  2009 وبنحو 0,6 % في منطقة اليورو وبنسبة  0,1 % لليابان. وفي حين أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستسجل انخفاضا في ناتجها بنحو   0,3 %  ستتمكن الدول النامية من تحقيق معدلات نمو ملموسة وان انخفضت عما تم تسجيله في السنوات السابقة حيث سيبلغ معدل نموها في 2009 نحو 4,5 % مقابل 7,9 % في 2007 و6,3 % في 2008.
ويتوقع تقرير الانكتاد[27] أن تنفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2008 بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، لتقتصر على 1600 مليار دولار أي بانخفاض نسبته 10 %وذلك في ضوء التدفقات الفعلية في النصف الأول من العام. ولا يقدم التقرير توقعات نهائية للتدفقات في 2009 إلا انه يشير إلى أن أكثر دول العالم جذبا للاستثمار الأجنبي ستكون: الصين – الهند – الولايات المتحدة –روسيا – البرازيل –فيتنام – ألمانيا – اندونيسيا – استراليا – كندا – المكسيك – المملكة المتحدة. ورغم ذلك فانه يتوقع انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول الرأسمالية المتقدمة في 2009 ، خاصة وان قيمة عمليات الاندماج والاستحواذ التي تمت خلال النصف الأول من 2008 تقل عما كانت عليه في النصف الثاني من 2007 .
        2 - عرضت خطة التنمية في مصر  لعام 2008 /09 لأسباب وملامح الأزمة الاقتصادية العالمية ولأهم النتائج التي يتوقع أن تترتب عليها ، وأفردت صفحات خاصة للنتائج المتوقعة على الاقتصاد المصري.،أكدت فيها [28] أن الأزمة تفرض تحديات كبيرة على مصر خاصة " مع تزايد درجة اندماج مصر في الاقتصاد العالمي من خلال تنامي حركة التبادل التجاري وتدفقات رءوس الأموال" وتوقعت أن يساهم تحسن مناخ الاستثمار في مصر في تدفق الاستثمارات العربية في ظل ارتفاع الفوائض نتيجة لارتفاع أسعار البترول، وأن يؤدى ارتفاع أسعار الفائدة في مصر عنها في الخارج إلى تدفق رءوس الأموال الأجنبية إلى مصر للتوظيف في البورصة وغيرها.
        وفي خطة 2008 /2009 جاءت إشارة مباشرة لرقم الاستثمارات الأجنبية المستهدف حيث قدر بنحو 15 مليار دولار[29] ، وذلك على الرغم من الآثار السلبية للأزمة العالمية التي استعرضتها وثيقة الخطة. والى جانب ذلك تستهدف الخطة زيادة درجة اندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي لتصل إلى 69 %.
        ومن ناحية أخرى حدد مجلس الوزراء المصري 5 محاور للتحرك السريع لتعويض الانخفاض المتوقع في معدل النمو من خلال إجراءات تحقق مزيدا من النشاط الاقتصادي الداخلي[30]. وقد شملت هذه المحاور الاستمرار في استهداف الاستثمارات الخارجية خاصة الاستثمارات العربية من خلال توفير المشروعات ذات الجدوى الواضحة والعائد المتميز في الاقتصاد العيني.
        وتظهر بيانات ميزان المدفوعات المصري[31] عن الربع الأول من السنه الماليه 2008 /2009 ( الفترة يوليو – سبتمبر 2008 ) انخفاض  صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر إلى 1.7 مليار دولار مقابل 3 مليار دولار في الفترة المناظرة من 2007 ، أي بنسبة 44 %. وفي حين استقرت الاستثمارات الأجنبية في قطاع البترول وتلك الواردة كحصيلة بيع شركات محلية لمستثمرين أجانب عند 1,0 مليار دولار,3 مليار دولار على الترتيب ، فان الاستثمارات الواردة  لتأسيس شركات جديدة أو زيادة رءوس أموالها قد تراجعت بشدة إلى 0,4 مليار جنيه مقابل 1,7 مليارا في فترة المقارنة. 

خامسا: من قضايا التعامل مع الاستثمار الأجنبي المباشر في الفترة القادمة
      1 – قضية الحوكمة والشفافية
        تحتل مصر المرتبة 105 بين 179 دولة في العالم من حيث انتشار الفساد، طبقا للتقرير السنوي لمنظمة الشفافية العالمية لعام 2007، حيث حصلت على 2.9 نقطة من 10 نقاط. ومن بين الدول الإفريقية الجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر جاءت جنوب إفريقيا في المرتبة 43 مسجلة 5.1 نقطة، ونيجريا في المرتبة 147 مسجلة 2.2 نقطة[32].
        ولا شك أن المعلومات التي تحت يد الدولة وهيئاتها تمثل مصدرا هاما للمعلومات التي تعني إتاحتها قدرة أكبر على الشفافية والمساءلة في مواجهة هذه الهيئات.ومن ثم فان الحق في الوصول إلى المعلومات يمثل أحد المظاهر الأساسية للديمقراطية والمشاركة. ومن ثم فان حق المواطنين ومنظمات المجتمع المدني في معرفة ماذا تفعل حكوماتهم والمنظمات الدولية والشركات الخاصة في ذات الوقت يمثل سبيلا للفضاء على الفساد.
        وبالنسبة  للدولة فلابد أن تتبع السياسات التي تعتبر ان الحق في الحصول على المعلومات هو أحد الحقوق الأساسية ، وان الحصول على المعلومات هو الأساس وان السرية هي الاستثناء . ويسرى ذلك على الحكومة وهيئاتها وكذا على المرافق العامة سواء ساهمت فيها الدولة أم لا ما دامت تقوم بأداء خدمة عامة. ومن حق المستثمر أن يتعرف بدقة على القواعد المنظمة للاستثمار والكيفية التي تطبق بها ، ومدى استمراريتها وكيفية تعديلها. فالمستثمر يهتم بالشفافية وبالقدرة على التنبؤ، وهو ما تزيد أهميته بالنسبة للمستثمر الأجنبي لأنه سيتعامل مع مجتمع مختلف عن مجتمعه تنظيميا وقانونيا وثقافيا, ومن هنا فانه يهتم بالحصول على أكبر قدر من المعلومات التي تظهر الشفافية والتي تمكنه من اتخاذ قراراته.
        ومن العرض السابق يتضح أننا ما زلنا نحتاج لدرجة اكبر من الشفافية ، حيث أن البيانات المتاحة عن الاستثمارات الأجنبية في مصر لا تتيح التعرف على القطاعات التي توجهت إليها ولا إلي مدي نجاح هذه الاستثمارات – كل بمفرده – في تحقيق الأهداف الخاصة بالإنتاج والتشغيل والتصدير وتطوير التكنولوجيا والمحافظة على البيئة ، فضلا عن مصادر تمويلها ومدى اتجاهها للاحتكار من عدمه ومدى التناسب بين ما حصلت عليه من مزايا وتيسيرات وبين العوائد التي تحققت للمجتمع ككل.
       


2 -  مشروعات المرافق العامة والخصخصة

إذا كانت الشركات دولية النشاط تتطلع إلى مد أنشطتها جغرافيا لتغطي كل دول العالم دون قيود، وإزالة كافة الحواجز التي تحول دون ذلك، فإنها تسعى من الناحية الأخرى إلى أن تمد أنشطتها إلى كل القطاعات داخل هذه الدول أيضا. وفي هذا الإطار يمكن التعرف على أسباب المطالبة بتخلي الدول عن القيام بدور مباشر في العملية الإنتاجية، وبإزالة القيود أمام المنافسة الأجنبية ، وعدم التفرقة في المعاملة بين الإنتاج المحلي وذلك المستورد، وبإلغاء احتكار الدولة للمرافق العامة والاتجاه المتزايد لخصخصتها وترك القطاع الخاص يقوم بتقديمها مع الحرص على عدم التفرقة بين جنسية هذا القطاع وما إذا كان محليا أم أجنبيا.
وتوضح اتجاهات الاستثمار الأجنبي خلال السنوات السابقة اتجاهه المتزايد نحو قطاع الخدمات التي تؤدى من خلال مرافق عامة تتولاها أو كانت تتولاها الحكومات مثل الاتصالات والطرق والنقل والكهرباء والغاز ومياه الشرب ، خاصة مع حاجة معظم دول العالم لإنشاء أو تطوير هذه المرافق لتحسين مستوى معيشة سكانها ، يقابل ذلك عدم توافر الموارد المالية والتكنولوجية والخبرة اللازمة عند كثير من هذه الدول للقيام بما تتطلبه إقامة وصيانة هذه المرافق من أموال.  وبالتالي فان هذه القطاعات تمثل في ذات الوقت قطاعات بدأت دول كثيرة – ومنها مصر في فتحها للاستثمار الأجنبي.
ويثير فتح هذه القطاعات الحيوية تساؤلات عديدة في ظل ضعف خبرة الدول النامية فيما يتعلق بالرقابة الواجبة على الشركات التي ستقوم بتنفيذ وإدارة هذه المرافق، ومدى التزامها بأهداف المجتمع الذي تعمل فيه، وما إذا كانت ستتولى توفير التمويل من الخارج أم أنها ستزاحم القطاعات المحلية في الحصول على التمويل من البنوك.وفي كثير من الأحيان فان ضخامة وقوة وسطوة الشركات العاملة في هذه القطاعات يجب أن تكون عاملا يتعين أخذه في الاعتبار ن لما يمكن أن يترتب على تواجده من آثار سلبية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
3 – الرشوة والاستثمارات الأجنبية[33]
يوضح مؤشر الرشوة الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية أن عددا من الشركات التابعة للدول الرئيسية المصدرة لرأس المال مازالت تلجأ للرشوة للفوز بأعمال في الخارج ، وهو ما يضر حتى بسمعة هذه الشركات. ونظرا لما يسببه الفساد من عدم عدالة فان رئيس المنظمة يدعو الحكومات إلى مضاعفة جهودها لتطبيق القوانين والقواعد الحالية على حالات الرشوة المقدمة من الخارج، كما يدعو الشركات ذاتها إلى إتباع برامج فعالة لتجنب الرشوة، ويدعو حكومات الدول المصدرة لرأس المال إلى الالتزام بمعاهدة محاربة الرشوة المبرمة في إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
والمؤشر المذكور يغطي 22 دولة من الدول الرئيسية بمعيار حجم صادراتها وتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها، ويبلغ نصيبها مجتمعة 75 % من هذه الأنشطة في 2006. أما البيانات فتم الحصول عليها من 2742 من كبار مديري الشركات في 26 دولة متقدمة ونامية تم اختيارها على أساس حجم وارداتها وما تتلقاه من تدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر.
ويظهر مؤشر الرشوة أن الشركات التي تعمل في مجال المرافق العامة والتشييد هي أكثر الشركات لجوءا للرشوة حين تتعامل مع الحكومات، وأنها أأكثر الجهات التي تمارس نفوذا بخصوص السياسات والقرارات  والإجراءات العملية التي قد تتخذها الحكومات. يلي ذلك الشركات العاملة في مجالات العقارات والتنمية العقارية، والبترول والغاز، والصناعات الثقيلة، والمناجم. أما اقل الشركات لجوءا للرشوة في التعامل مع الحكومات في العاملة في تكنولوجيا المعلومات وصيد الأسماك والبنوك وقطاع المال.
4 -أسعار التحويل
لما كانت الشركات دولية النشاط تمارس أنشطتها على أرض أكثر من دولة ، وتتكامل الحلقات التكنولوجية والإنتاجية في إطار الشركة الواحدة عبر الفروع والشركات التابعة لها، فان ذلك يعني وجود تيار من السلع والخدمات التي يتم تبادلها فيما بين الشركة الأم والشركات والفروع التابعة لها، أو بين هذه الفروع والشركات التابعة وبعضها البعض. ويشمل ذلك عادة سلعا إنتاجية مثل الآلات والمعدات والخامات، والمنتجات الوسيطة التي تتمثل في أجزاء من سلع نهائية سيتم تجميعها في أحد الفروع.وتعكس هذه المنتجات استخداما كثيفا لرأس المال أو العمل يتفق مع موقع الفرع المنتج لها في تقسيم العمل الذي تتبعه الشركة الأم. كما قد يتمثل ذلك التيار في خدمات تقدمها الشركة الأم أو أحد الفروع إلى الفروع التابعة الأخرى، كخدمات الاستشارات والتطوير الإداري والفني والمالي والتسويقي وغير ذلك.
ولما كانت الفروع أو الشركات التابعة تمسك بحسابات مستقلة، فان تبادل السلع والخدمات فيما بينها يتطلب وسيلة للقياس والحساب. ولا يمكن القول بأن الطلب والعرض يحددان أسعار ما يتم تبادله بين وحدات الشركة الأم، لأن هذا التبادل لا يتم عن طريق السوق نظرا لخصوصية السلع والخدمات موضوع التبادل وعدم تماثلها مع ما يتوافر في الأسواق من ناحية، ولأن الشركة إلام تحدد لكل وحداتها من أين تحصل على ما تريد والى أين تذهب بمنتجاتها أو تقدم خدماتها المشتركة. فالشركة الأم هي التي تنظم كيفية قيام كل جزء بإمداد الأجزاء الأخرى بما يلزمها من منتجات وخدمات لازمة لأداء دورها في إخراج المنتج النهائي. وطبيعي إلى جانب ذلك أن تقوم الشركة الأم بتحديد الأسعار التي يتم بها الحساب بينها وبين وحداتها أو بين هذه الوحدات وبعضها البعض.
ومن الطبيعي أن تعكس الطريقة التي يتم بها تحديد هذه الأسعار سياسة ومصلحة الشركة دولية النشاط في مجملها وليس بالضرورة مصلحة كل فرع من توابعه. ولعل استخدام أسعار التحويل لتخفيض الأعباء الضريبية للشركة في مجملها هو المثال التقليدي في هذا الصدد.فبافتراض أن الشركة دولية النشاط تمارس عملها في دولتين تختلف فيما بينهما معدلات الضريبة التي ستتحملها الشركة، فان الشركة تجد من مصلحتها أن تعمل على زيادة الأرباح المحققة في الدولة التي يقل فيها معدل الضريبية، وتخفيض الربح إلى أدنى قدر ممكن في الدولة التي يرتفع فيها معدل الضريبة. ولتحقيق ذلك يتم تخفيض أسعار المنتجات التي ينتجها الفرع الخاضع للضريبة الأعلى لصالح الفرع الخاضع للضريبة الأقل. أي أن الشركة تنظر أساسا للربح النهائي وأهمية تحققه متجاوزة بذلك مصالح الشريك المحلي أن وجد ، والدول المضيفة لرأس المال وحقوقها السيادية.
والأمر لا يقتصر على استخدام أسعار التحويل بالمعني السالف، بل يمكن استخدام هذه السياسة لدعم موقف أحدى الوحدات التي يكون من مصلحة الشركة الأم  تدعيمها رغم ما تتعرض له من خسائر أو ما تحققه من أرباح منخفضة، إذا كانت هذه الوحدة تمثل أهمية في إطار الشركة ككل. وفي نفس الإطار يمكن أن تستهدف الشركة الأم أن يسفر نشاط إحدى وحداتها خاصة في الدول النامية عن خسارة محاسبية استنزافا لموارد شريك محلي أو تهربا من الضرائب أو من القيود على تحويل الإرباح.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورا هائلا في قوة الشركات دولية النشاط سواء بفعل مواقعها الاحتكارية أو شبه الاحتكارية ، أو بفعل عمليات الإدماج والاستحواذ التي أصبحت ظاهرة شديدة الأهمية تستحوذ بها الشركات على منافسيها من الشركات الأخرى بل وعلى شركات أخرى تعمل في مجالات لا علاقة لها أصلا بمجالات الأصلية لنشاط الشركة الأم. يضاف إلى ذلك أيضا قيام هذه الشركات بشراء الشركات والأصول الإنتاجية في إطار عمليات الخصخصة التي ازدادت وتيرتها في كثير من دول العالم الثالث والدول الاشتراكية السابقة.
ومع ازدياد قوة هذه الشركات تزداد أسلحتها وأساليبها لاستنزاف الفوائض الاقتصادية من الدول التي تعمل فيها لصالح مراكزها الرئيسية ومساهميها.فمع زيادة الفروع والشركات التابعة والشقيقة وتنوع الأنشطة أصبحت عملية إنتاج السلعة الواحدة تتم على أراضي أكثر من دولة بحيث تتخصص كل دولة في إنتاج جزء من السلعة وتتخصص فروع إحدى الدول في عملية تجميع السلعة النهائية وتشكل هذه العملية التي هي جوهر التقسيم الدولي الجديد للعمل مناسبة أخرى لحصول الشركة الأم على إيرادات إضافية تحت مسميات مختلفة. فهناك أشراف المركز الرئيسي وهو إشراف يحدد الأخير مقابله الذي يتقاضاه من فروعه دوريا، وهناك مقابل أتعاب خبراء المحاسبة والمراجعة والضرائب والتطوير وإعادة الهيكلة والتخطيط الاستراتيجي والتسويق والتصميم الصناعي والتكنولوجي والإعلان والتدريب ..   الخ ، وهم خبراء يكونون عادة من العاملين في الشركة الأم ذاتها أو من بعض الفروع التابعة يتم إيفادهم إلى الفروع الأخرى لأداء مهام محددة تتقاضى الشركة الأم مقابل إتعابهم بأشكال مبالغ فيها. بل إن الشركة الأم تقوم عادة بعمليات مركزية بشراء احتياجات الفروع من كثير من المستلزمات وتقوم ببيعها إلى الفروع محققة لنفسها إيرادات إضافية ضخمة دون مبرر يذكر. يسرى هذا على توريد سيارات النقل وسيارات الركوب وأثاثات المكاتب والمطبوعات وأجهزة الحواسب الآلية وما يلزمها من برامج.
ولا شك أن أسعار التحويل وما يماثلها تمثل أحد المجالات الأساسية التي تتمكن بها الشركات دولية النشاط من زيادة إيراداتها وتعظيم ربحيتها على النحو الذي أشير معه إلى أن الجزء الأكبر من أرباح هذه الشركات ناتج عن عملياتها في دول العالم الثالث.
ورغم وجود ظاهرة أسعار التحويل منذ سنوات طويلة وتفاقمها خلال السنوات الأخيرة مع ازدياد دور الشركات دولية النشاط، فان السيطرة عليها وتقليل آثارها على الدول المستقبلة للاستثمارات الأجنبية يبدو ضعيفا أو منعدما في كثير من الحالات.فهذه الظاهرة وليدة تعامل الشركة مع فروعها الخارجية ، وهو تعامل لا يتطلب تدخلا من أية جهة أخرى ولا يمكن للجهات الخارجية معرفته بسهوله. ويشار في هذا الصدد أن عمليات الاستيراد التي تتم بين الشركة وفروعها عادة ما تتم دون اللجوء إلى فتح اعتمادات مستنديه لدى البنوك، لأنها لا تتطلب مستوى الضمان الذي تغطيه الاعتمادات المستندة.وعادة ما يتم اللجوء إلى ما يسمى  ببوالص التحصيل يقتصر دور البنك فيها على تحصيل القيمة وإضافتها للمصدر دون أية مستندات تذكر. ولعل التزام الشركات بدرجات أعلى من الحوكمة والشفافية يساهم في الحد من أثر أسعار التحويل على التهرب الضريبي للشركات ونزح الفائض الاقتصادي من الدول  المضيفة للاستثمارات.
ومما يبرز أهمية الشفافية والإفصاح في محاربة ظاهرة أسعار التحويل، ما لوحظ من أن كثير من الشركات المصرية التي تمت خصخصتها والاستحواذ عليها من قبل شركات دولية النشاط لم تعد تنشر ميزانيات وقوائم مالية يمكن التعرف منها - ومن الإيضاحات التي يعدها مراقبو الحسابات –على العلاقة بينها وبين الشركة الأم أو الشركات الشقيقة مما يساعد على تحليل أي زيادة أو نقص مفاجئ في المصروفات أو الايرادات.

سادسا:الشفافية والفساد في علاقات الاستثمارات الأجنبية بالدول المضيفة
 1 – النموذج الأول هو  للبنك الدولي في الفلبين[34]،حيث أعلن البنك الدولي في 14 يناير 2009 عن حرمان 7 شركات وفرد من التعامل معه بسبب تورطهم في فساد في مشروع كبير للطرق يقوم البنك بتمويله في الفلبين. ويتضمن القرار حرمات شركتين من التعامل معه بشكل نهائي وحرمان الباقي من التعامل معه لفترات محددة.وقد قام مكتب نائب رئيس البنك للنزاهة المؤسسية بإجراء تحقيق كشف عن تواطؤ الشركات ووجود اتجاه احتكاري ( كارتل ) بينها للفوز بعقود خاصة بإنشاء وتحسين الطرق ،فتمت إحالة الأمر إلى لجنة العقوبات بالبنك الدولي التي قررت فرض العقوبات المذكورة  على هذه الأطراف لأنها اشتركت  في مخطط تواطئي يستهدف تحديد أسعار العطاءات عند مستويات مصطنعة غير تنافسية وحرمان المقترض ( الفلبين )من مزايا المنافسة الحرة والمفتوحة. وقد ترتب على ذلك قيام البنك الدولي باتخاذ إجراءات اشد لمكافحة الفساد في هذا البرنامج منها ممارسة رقابة على إنشاء الطرق من جانب منظمة تابعة لمجتمع المدني اسمها " مراقبة الطرق ROAD WATCH".
ويشار إلى أن البنك الدولي حرم 351 شركة وفردا منذ 1999 من الاشتراك في المناقصات التي يجريها لتمويل مشروعات في مختلف دول العالم، لتورطهم في عمليات تحايل وفساد مماثلة.
2 – النموذج الثاني : حالة  أجريوم – مصر 
تقدم تجربة شركة أجريوم المصرية للمنتجات النتروجينية ( شركة مساهمة مصرية بنظام المناطق الحرة الخاصة) نموذجا لانعدام الشفافية والحوكمة سواء من جانب الجهات الحكومية المصرية أو من جانب الشركة ذاتها. كما تقدم نموذجا يثبت أن الشركات دولية النشاط عندما تواجه مشكلة ما فان هناك دائما دولة أم تقف وراءها.وتتلخص التجربة[35] في:
1 - أبرمت هيئة ميناء دمياط عقدا في 17 ديسمبر 2004 مع الشركة القابضة للبتر وكيماويات منحتها  بموجبه: كافة الموافقات والامتيازات والتسهيلات بإنشاء وتشغيل وإعادة تسليم رصيف بحري، وإنشاء وتملك وتشغيل وإدارة وصيانة مجمع التسهيلات الخاصة بإنتاج ونقل وتخزين وشحن وتسويق وتصدير سوائل ومنتجات البتر وكيماويات.
2 – نص العقد على أنه يحق للشركة القابضة  للبتروكيماويات الاشتراك فيما بعد في تأسيس شركة جديدة ترث وتستفيد من كافة الامتيازات والتسهيلات الممنوحة للشركة القابضة. ورغم أن طرفي العقد مؤسستان مصريتان مملوكتان بالكامل للدولة فقد نص العقد على أنه في حالة الخلاف بين الطرفين يتم اللجوء إلى التحكيم باللغة الانجليزية لدى غرفة التجارة الدولية بباريس.كما تضمنت ملاحق العقد نصوصا تجيز للشركة القابضة المذكورة التنازل لما قد تساهم فيه من شركات عن المزايا الواردة في عقدها مع هيئة ميناء دمياط ، وان من حق المستثمر الرئيسي الذي قد تشترك معه في إنشاء شركة أن يبيع جزئا من مساهمته في رأس المال بشرط أن يحتفظ بالأغلبية التي تمكنه من السيطرة على الشركة.
3 – قامت الشركة القابضة للبتروكيماويات  في مارس 2006 بالاشتراك مع شركة اجريوم الكندية بإنشاء شركة أجريوم المصرية برأسمال 600 مليون دولار بلغ نصيب الشركة القابضة فيه 24 % ، وهو نصيب يحول دون مراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات الذي يراقب كل المشروعات التي يساهم فيها المال العام بنسبة لا تقل عن 25 %.
4 – بناء على موافقة مجلس الوزراء بتاريخ 30 نوفمبر 2006 ، صدر في 10 ديسمبر 2006 قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2306 لسنة 2006 ، مانحا الشركة القابضة للبتروكيماويات _ والشركات التي تساهم فيها – حق التزام إنشاء وتشغيل وإعادة  تسليم رصيف بحري أو أكثر بنظام  BOT  بميناء دمياط لتصدير المنتجات البتروكيماوية، وكذا إنشاء وتملك وتشغيل وإدارة وصيانة مجمع التسهيلات الخاصة بإنتاج ونقل وتخزين وشحن وتسويق وتصدير سوائل و منتجات البتروكيماويات، وذلك لمدة 25 عاما يجوز تجديدها ( بخلاف فترة الدراسة والإنشاء بحد أقصى 8 سنوات).ثم انه بتاريخ   12 مارس 2007 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 555 لسنة 2007 بمنح التزام إقامة الرصيف البحري وإنشاء مجمع التسهيلات المذكور إلى شركة اجريام المصرية للمنتجات النتروجينية. وفي الواقع فان صدور القرارين لنفس الرصيف ولنفس الغرض ولكن لشركتين مختلفتين أثار لبسا كبيرا، خاصة أن القرار الثاني لم يشر إلى القرار الأول ولم ينص على تعديله أو إلغائه.
5 – بذلك تكون الشركة القابضة للبتروكيماويات قد تنازلت لشركة أجريوم المصرية عن التيسيرات التي حصلت عليها من هيئة ميناء دمياط.
6 – يبدو أن إجراءات الحصول على التصاريح اللازمة لإنشاء شركة أجريوم كانت تتم على التوازي وليس على التوالي، فصدرت الموافقة على التأسيس الشركة قبل موافقة هيئة التنمية الصناعية وجهاز البيئة .
7 – حصلت شركة غير مشهرة وليس لها سجل تجاري (  شركة مواد غذائية) في 28 يوليو علي عقد  مع هيئة ميناء دمياط لإنشاء رصيف بحري بنظام BOT، وبعد 3 سنوات أعلن عن طرح الرصيف البحري لاستخدامه في تصدير منتجات بتروكيماوية. وتم قبول عرض وحيد هو العرض المقدم من شركة أجريوم وفي 31 أكتوبر 2006 تعاقدت الشركة مع هيئة ميناء دمياط على هذا الرصيف البحري.
8 – أعرب أهالي دمياط عن اعتراضهم على أقامة المشروع لما سوف يسببه من تلوث في الجو والبحر والتربة بشكل يسيء  إلى منطقة رأس البر باعتبارها أساسا منطقة سياحية، واتخذ اعتراضهم أشكالا سلمية تمثلت في مسيرات وحملات إعلامية ووقفات احتجاجية-.
9 – إبان الأزمة اتخذ السفير الكندي في القاهرة مواقف كثيرة إلى جانب شركة أجريوم معلنا أنه لم يتم إلغاء المشروع أو نقله إلى مكان آخر، وصرح في 27 أبريل 2008  أن الشركة دفعت لجهات رسمية 25 مليون دولار مقابل الموافقة على المشروع. وقد تراجع السفير بعد ذلك عن تصريحه بخصوص هذا المبلغ، إلا أن مصادر صحفية أشارت إلى أن الحكومة قد أعادت للشركة 18,5 مليون دولار في حين رفضت وزارة الري إعادة 3,5 مليون دولار حصلت عليها لتطوير فرع النيل بدمياط بما يتناسب وحاجة الشركة للمياه العذبة للتبريد. أما المبلغ الباقي ( 3 مليون دولار ) فلم تعترف أية جهة أخرى بالحصول عليه.

 10 – أمام تصاعد موجة الاحتجاج وعدم تجاوب الشركة مع مطالب الأهالي قام مجلس الشعب بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق قامت بدراسة الموضوع وقابلت ممثلين لكافة الأطراف وانتهت إلى تقرير تضمن:
أ - يبلغ رأس المال المصرح به لشركة المشروع ٦٠٠ مليون دولار، تم سداد ٢٧٥ مليون دولار منها حتى تاريخ التقرير بالإضافة إلي تدبير ٩٥٠ مليون دولار قروضاً من البنوك العالمية والمحلية.
ب -أصرت الدراسة التي أعدتها المكاتب الاستشارية الأجنبية بخصوص المشروع علي أنه من الشروط الأساسية الواجب توافرها في الموقع الذي يقام فيه هو عدم وجود جماعات معارضة لإنشاء المشروع، كما أكدت أنه من الشروط المستحب توافرها في الموقع هو وجود تعاون مع المجتمع المدني للحصول علي الدعم الشعبي، والتواصل مع المشروع لإنجاحه.كما قامت الشركة بتكليف استشاري عالمي لإعداد دراسة تقييم الأثر البيئي ثم تلا ذلك قيام الشركة  بعقد جلستين للتشاور العلني مع بعض الشخصيات للحصول على موافقتهم.
 "ولم تقتنع لجنة تقصي الحقائق بأسلوب التشاور، ولا بأسلوب اختيار القيادات، ولم يتم إعلام المشاورين بالغرض من هذه الجلسات ولم يتم الأخذ في الاعتبار قرارات سابقة للمجلس الشعبي المحلي والجهات التنفيذية بالمحافظة بمنع الاستثمار الصناعي في مدينة جزيرة رأس البر".
وتري اللجنة أن شركة المشروع لم تراع تطبيق معايير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة الأكثر صرامة والذي يطالب بموافقة ومشاركة المجتمع المحلي قبل الموافقة علي تدبير التمويل الدولي وقدمت بيانات غير دقيقة في هذا الشأن.
ج -وانتهت اللجنة إلي التوصية بعدم إقامة المشروع في هذا الموقع، مع إشارة إلى سلامة الإجراءات والموافقات التي اتخذت.

ملاحظات ختامية 
1 - نعتقد أن  تصور الحكومة المصرية للاستثمار الأجنبي بعكس نوعا من الوهم بخصوص حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الاستثمار في أية مجتمع . حقيقة أن الاستثمار الأجنبي المباشر يمكن أن يساهم في تشغيل قدر من العمالة ويمكن أن ترتفع بوجوده أرقام الناتج المحلي الإجمالي والصادرات. كما يمكن له أن يساهم في استغلال الثروات الطبيعية بما يملكه من تكنولوجيا متقدمة  ولكن ما هو نوع الاقتصاد الذي يزداد فيه دور  رأس المال الأجنبي ؟وما هي القطاعات التي يهتم بالدخول إليها ؟ وهل يقوم بإنشاء صناعات جديدة نحتاج إليها أم انه يقوم بالاستحواذ على المشروعات المحلية القائمة ( سواء المشروعات المطروحة للخصخصة أو المملوكة أصلا للقطاع الخاص )وعلى ما تمكنت من خلقه من أسواق لمنتجاتها وخدماتها ؟   وهل يمكن للاستثمار الأجنبي أن يساهم في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية؟ وما هي حدود التطابق أو التقارب في الأهداف بين رأس المال الأجنبي القادم إلي مصر وبين الأهداف الاقتصادية للمجتمع؟

إذا كان هناك دور يمكن لرأس المال الأجنبي أن يلعبه في إيه مجتمع فلا يمكن أن يتحدد هذا الدور إلا ابتداء من أهداف المجتمع نفسه وتحديده  الدقيق للقطاعات والانشطه التي لا يستطيع القيام بها في الأجل القصير  سواء لأسباب تكنولوجيه وما يرتبط بها من خبرات فنية  أو لضخامة ما تحتاجه من رأسمال وهما السببان الرئيسيان لفتح الباب أمام الاستثمار العربي والأجنبي في 1974 . ومن ثم فان مبادئ الرشادة الاقتصادية تحتم أن تقوم الدولة بتحديد دقيق للقطاعات الاقتصادية وللفروع التي نحتاج فيها لإدخال رأس المال الأجنبي بحيث تكون الاستعانة به لسد ثغرات لا يمكن للاقتصاد القومي أن يغطيها في الوقت الراهن أما لأنها متقدمة تكنولوجيا بأكثر مما يتوافر لدينا وأما لأنها تحتاج بالفعل إلى رءوس أموال كبيرة لا يمكن للحكومة ولا للقطاع الخاص تدبيرها. ولكن أن يفتح الباب على مصراعيه للاستثمار الأجنبي لإنتاج النسيج  والاسمنت والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية وتقديم الخدمات المصرفية والتامينيه والعمل في المقاولات وبل وإسناد مهام النظافة إليه  في الأحياء والمطارات ومحطات السكك الحديدية  ، فهذا كله لا يمكن أن يضيف إلى ثروتنا الاقتصادية ولا إلى إمكانياتنا وقدراتنا .
 إن التوسع في قبول الاستثمار الأجنبي في شتي القطاعات وفي وقت أزمة عالمية دون تحديد ، معناه ببساطه أن ميزان مدفوعاتنا سيتحول إلى العجز بسرعة شديدة أمام زيادة الواردات اللازمة لهذا النوع من الاستثمار في البداية ثم عند قيامه بإعادة تحويل أرباحه إلى الخارج ، وسنعود  للاقتراض من الخارج لسداد هذا العجز.
2 – ضرورة ربط المزايا التي يحصل عليها المستثمر الأجنبي. بتحقيق معايير معينة تعكس اختيارات الاقتصاد المصري واحتياجاته التنموية ، مثل  استيعاب أعداد متزايدة من العمالة وتدريبها  أو استغلال طاقات وموارد طبيعية وفنية لم تكن مستغلة أو تحقيق التكامل مع صناعات أو أنشطة  أخري قائمة أو تنمية مناطق بعينها تحتاج لجهد ( مثل الصعيد والمحافظات الصحراوية ) أو أن ينتج عن نشاطه  تخفيضا في  الواردات أو زيادة في الصادرات ، ناهيك عن ضرورة تحقيق تقدم تكنولوجي لا يقتصر على دائرة المشروع ولكن يكون له آثار مجتمعية ملموسة.وطبيعي أن كل ذلك يحتاج من الحكومة لدرجة اكبر من الإفصاح كي يمكن التعرف على ما تم من انجازات.
        3 – أن الشركات دولية النشاط يمكن أن تقوم بإمكانياتها الفنية العالية ورغبتها الطبيعية في تحقيق أكبر إيرادات ممكنة وأكبر أرباح لمساهميها  وأكبر مصالح لدولها الأم التي تقف وراءها عند الحاجة-  بتجريف الموارد الطبيعية واستنفاذها بسرعة ، والاعتداء على البيئة وعدم مراعاة مصالح المجتمع المحلي.
                4 – أن الشركات دولية النشاط مؤسسات ضخمة تتمتع بقوة ونفوذ هائلين  وتتعدد بالتالي أشكال الضغط التي يمكن أن تمارسها في الدول المضيفة بل وفي الدول الأم ذاتها تحقيقا لمصالحها ، بما في ذلك الضغط على الدول لاستصدار تشريعات وفرض إجراءات تحقق مصالحها أو الامتناع عن تنفيذ قرارات وتوجيهات لا تراها محققة لمصالحها وأن لديها بالتالي قدرة عالية على التهرب من الرقابة وإمكانيات كبيرة للفساد والإفساد.ولا شك انه من الضروري مواجهة هذه الظواهر وهو أمر لا يمكن أن يتم إلا من خلال تعاون دولي وإقليمي يستبعد من حساباته التنافس على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية بأي ثمن، ويضع الضوابط الكفيلة بوقوع هذه الشركات تحت طائلة المساءلة .





[1] نص عليها القانون رقم 43 لسنة 1974.
[2] حصر قانون حوافز وضمانات الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 المجالات التي تسري عليها أحكامه، ثم أجاز لمجلس الوزراء إضافة مجالات أخرى "تتطلبها حاجة البلاد".
2- UNCTAD, World Investment Report  2008,p .3



[4] وزارة التخطيط ،.الخطة الخمسية الخامسة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (2002 – 2007 ) وخطة عامها الأول، القاهرة أبريل 2002 ، ص 9 .
[5] المصدر السبق ص 7.
[6] المصدر السابق ص 10
[7] - المصدر السابق ص 41
[8] - والذي حدث في الواقع هو زيادة الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير كما سيرد فيما بعد.
 ,[9] وزارة التخطيط ، المصدر سابق الإشارة إليه ، ص 50 و 51
[10]  - المرجع السابق ص 50
[11] المرجع السابق ص 68 وما بعدها
[12]  - وزارة التخطيط والتنمية المحلية، خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2006 /2007، القاهرة،
[13] وزارة التنمية الاقتصادية ، الخطة الخمسية السادسة          ص 60
[14]   المصدر السابق ص 88 و89.
[15] - المصدر السابق، ص 64 و65
[16]  -  بيان الحكومة المقدم لمجلس الشعب يوم 30 ديسمبر 2007
[17]  - حديث الدكتور زياد بهاء الدين لجريدة الأهرام المنشور في عددها الصادر بتاريخ 12 ديسمبر 2004 .
[18] جريدة الأهرام 23 أبريل 2006
[19] جريدة الأهرام 11 مايو 2006
[20] جريدة الأخبار 19 مايو 2006
[21] جريدة الأهرام 20 مايو 2006
[22] - وهي فرص الاستثمار المعلنة يوم 24 يناير 2008 على موقع الوزارة على شبكة الانترنت: www.investment.gov.eg
[23]  جريدة الحياة الدولية 24 ابريل 2001

[24] وزارة الاستثمار، التقرير السنوي، 2007 /2008، ص 11


[25] - انظر تقرير الانكتاد سابق الاشارة اليه ، ص 39 .
[26] WORLD BANK, GLOBAL ECONOMIC PROSPECTS 2009, table 1.1 p.17.
[27] - ص 32 و33
[28] - وزارة التنمية الإدارية ، خطة التنمية الخمسية السادسة ، ص 14 - 15
[29] - المرجع السابق ص 19.
[30] - نتائج اجتماع المجموعة الاقتصادية برئاسة رئيس الوزراء يوم 4 يناير 2009.
[31] - البنك المركزي المصري، بيان صحفي بشأن اداء ميزان المدفوعات  خلال الفترة يوليو / سبتمبر 2008 2009 .
[32] - TRANSPARENCY INTERNATIONAL, ANNUAL REPORT 2007, P 27>
[33] - TI, TI REPORT: EMERGING ECONOMIC GAINTS SHOW HIGH LEVELS OF CORPORATE BRIBERY OVERSEAS, LONDON, BERLIN, 9 DECEMBER 2008.
[34] - البنك الدولي، بيان صحفي رقم 2009 / 200 /iNT
[35] - نستند فيما يتعلق بهذه النقطة إلى البلاغ المقدم من الأستاذ عصام سلطان المحامي إلى النائب العام والذي تفضل بموافاتي بنسخة منه ،وهو البلاغ الذي أحيل إلى نيابة الأموال العامة للتحقيق فيما ورد فيه ، والى تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب والمنشور نصه في جريدة المصري اليوم بتاريخ 18 يونيو 2008 وكذا إلى : عثمان الدلنجاوي ( تحرير ومراجعة) ، مصر 2008 ، كتاب الجمهورية ، القاهرة، الجزء الأول ، يناير 2009 ، ص 220- 233 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق